أبي حيان التوحيدي

46

المقابسات

فقلت : هناك ذكاء غالب ، وذهن وقاد ، ومتسع في قول النظم والنثر ، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة ، وحفظ أيام الناس ، وسماع المقالات ، وتبصر في الآراء والديانات ، وتصرف في كل فن ، إما بالشّد والموهم ، وإما بالتوسط المفهم ، وإما بالتناهي المفحم قال : فعلى هذا ، ما مذهبه ؟ قلت : لا ينسب إلى شئ ، ولا يعرف برهط ، لجيشانه بكل شئ وعليائه بكل باب ، ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه ، وسطوته بلسانه ؛ وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا ، وصادف بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة منهم أبو سليمان محمد بن معشر البستي ، ويعر في بالمقدس ، وأبو الحسن على ابن هارون الزنجاني ، وأبو أحمد المهرجاني ، والعوفي ، وغيرهم ، فصحبهم وخدمهم . وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة ، وتصافت بالصداقة ، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة . فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان اللّه . وذلك أنهم قالوا : إن الشريعة قد دنست بالجهالات ، واختلطت بالضلالات ، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية ، والمصلحة لاجتهادية وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علميها وعمليها ، وأفردوا لها فهرسا وسموها « رسائل إخوان الصفاء » وكتموا فيها أسماءهم ، وبثوها في الوراقين ، ووهبوها للناس . وحشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية ، والأمثال الشرعية ، والحروف المحتملة ، والطرق المموهة قال الوزير : فهل رأيت هذه الرسائل ؟ قلت قد رأيت جملة منها ، وهي مبثوثة من كل فن بلا إشباع ولا كفاية . وفيها خرافات ، وكنايات وتلفيقات ، وتلزيقات ، وحملت جملة منها إلى شيخنا أبى سليمان